الذهب يستعيد بريقه فوق 4200 دولار بنهاية الأسبوع
استعاد الذهب زخمه الصعودي بنهاية الأسبوع، مدفوعاً بزيادة الطلب الاستثماري على الصناديق المتداولة المدعومة بالمعدن النفيس، إلى جانب مؤشرات تشير إلى إمكانية احتواء الضغوط التضخمية، بما قد يمنح مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مساحة أكبر للتريث في تشديد سياسته النقدية.
وارتفع الذهب بما يصل إلى 1.8 % خلال تعاملات الجمعة، متجاوزاً مستوى 4200 دولار للأونصة، قبل أن يقلص جزءاً من مكاسبه عند الإغلاق. وأنهى المعدن النفيس تعاملات نيويورك مرتفعاً 1.5 % عند 4194.24 دولار للأونصة، محققاً مكاسب أسبوعية تعكس تحسن شهية المستثمرين تجاه الأصول المرتبطة بالذهب.
تدفقات الصناديق تعزز الطلب
كان من أبرز العوامل الداعمة للذهب خلال الفترة الأخيرة الارتفاع الملحوظ في التدفقات إلى صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالمعدن النفيس، والتي وصلت إلى أعلى مستوياتها في نحو أربع سنوات، وفق بيانات جمعتها «بلومبرغ».
وتعكس هذه التدفقات عودة الاهتمام الاستثماري بالذهب، باعتباره أداة للتحوط وتنويع المحافظ، خصوصاً في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن مسار أسعار الفائدة والتضخم والتطورات الجيوسياسية.
ويمنح ارتفاع الطلب عبر الصناديق المتداولة دعماً إضافياً للأسعار، إذ يمثل تحول التدفقات الاستثمارية إلى الذهب عاملاً مهماً في تحديد اتجاه السوق، إلى جانب الطلب الفعلي من البنوك المركزية والمستهلكين.
انفراجة في أسواق الطاقة
وتلقى الذهب دعماً إضافياً من تطورات أسواق الطاقة، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن روسيا وافقت على ضخ الديزل في الأسواق العالمية للطاقة. وساهمت الخطوة في تهدئة المخاوف المتعلقة بإمدادات الديزل، الأمر الذي قد يخفف الضغوط على تكاليف الطاقة ويحد من مخاطر حدوث موجة تضخمية أكثر اتساعاً.
ويمثل تطور أسعار الطاقة عاملاً مؤثراً في توقعات التضخم، وبالتالي في قرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة. ومن شأن تراجع الضغوط المرتبطة بالطاقة أن يقلل الحاجة إلى استمرار التشدد النقدي، وهو عامل يمكن أن يصب في مصلحة الذهب الذي لا يدر عائداً دورياً.
الذهب يفقد نحو 20 % منذ اندلاع الحرب
ورغم الارتفاع الأخير، لا يزال الذهب منخفضاً بنحو 20 % منذ اندلاع الحرب الأميركية الإيرانية في أواخر فبراير. وجاء هذا التراجع في سياق مختلف عن التحركات التقليدية للمعدن النفيس كملاذ آمن، إذ أدت الزيادة الحادة في تكاليف الطاقة إلى تصاعد مخاطر التضخم، ما دفع البنوك المركزية إلى تبني موقف نقدي أكثر تشدداً.
وتؤدي أسعار الفائدة المرتفعة عادةً إلى زيادة تكلفة الاحتفاظ بالذهب مقارنة بالأصول التي تحقق عائداً، الأمر الذي يضغط على جاذبية المعدن ويحد من قدرته على الاستفادة الكاملة من التوترات الجيوسياسية.
وبالتالي، تحرك الذهب خلال الفترة الماضية تحت تأثير عاملين متعارضين؛ فمن جهة، عززت الحرب حالة عدم اليقين والطلب على الملاذات الآمنة، ومن جهة أخرى، أدى ارتفاع تكاليف الطاقة ومخاطر التضخم إلى تشديد السياسة النقدية، وهو ما شكل ضغطاً على المعدن.
بيانات التضخم تحسم اتجاه الفائدة
وتتجه أنظار المستثمرين خلال الأسبوع المقبل إلى بيانات مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة عن سبتمبر، والمقرر صدورها الأربعاء، باعتبارها مؤشراً رئيسياً على المسار المحتمل للسياسة النقدية الأميركية. وتشير التوقعات إلى ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين العام بنسبة 0.6 % خلال سبتمبر على أساس شهري، مدفوعاً بصورة رئيسية بارتفاع أسعار البنزين.
لكن قراءة التضخم لا تعتمد فقط على الرقم الرئيسي، إذ يراقب المستثمرون أيضاً طبيعة الضغوط السعرية ومدى انتشارها في مختلف مكونات الاقتصاد، خصوصاً التضخم الأساسي.
وترى آنا وونغ، من «بلومبرغ إيكونوميكس»، أن الزيادة المتوقعة في الأسعار تعكس بدرجة أساسية ضغوطاً سعرية محلية محدودة، وليست موجة تضخمية واسعة النطاق.
ومن شأن هذا التقييم أن يمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للتحلي بالصبر في قراراته المقبلة، خصوصاً إذا أظهرت البيانات أن ارتفاع التضخم مؤقت ومرتبط بعوامل محددة، بدلاً من كونه اتجاهاً مستداماً.
الفائدة تظل المحرك الأهم
وتبقى توقعات أسعار الفائدة الأميركية أحد أهم العوامل التي تحدد اتجاه الذهـب خـلال المرحلة المقبلـة. فكلمـا زادت احتمالات خفض الفائدة أو تباطؤ وتيرة التشدد النقدي، تحسنت جاذبية الذهب، فــي حين يـؤدي ارتفاع توقعات الفائدة إلى زيادة الضغوط على المعدن.
ويترقب المستثمرون لذلك التوازن بين التضخم وسوق العمل وأسعار الطاقة، إلى جانب تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، لتحديد المسار المحتمل للسياسة النقدية.
وفي حال أكدت البيانات تراجع الضغوط التضخمية الأساسية، فقد يجد الذهب دعماً إضافياً، خصوصاً مع استمرار تدفقات الصناديق المتداولة وارتفاع الطلب الاستثماري.
أما إذا جاءت بيانات التضخم أعلى من المتوقع، فقد تعود الضغوط على المعدن، نتيجة ارتفاع احتمالات استمرار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
المعادن النفيسة تتحرك في الاتجاه نفسه
ولم يقتصر الصعود على الذهب، إذ ارتفعت الفضة أيضاً بنسبة 2.8 % عند التسوية إلى 60.82 دولار للأونصة، بينما سجل كل من البلاتين والبلاديوم مكاسب كذلك. وتعكس هذه التحركات تحسن أداء قطاع المعادن النفيسة بصورة عامة، مع استفادة المستثمرين من تحسن شهية المخاطرة تجاه الأصول المرتبطة بالمعادن، بالتزامن مع تراجع بعض مخاوف التضخم والطاقة.