تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفضاء‭ ‬يعيد‭ ‬ابتكار‭ ‬الحياة‭ ‬على‭ ‬الأرض

الفضاء‭ ‬يعيد‭ ‬ابتكار‭ ‬الحياة‭ ‬على‭ ‬الأرض

في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تتسابق‭ ‬فيه‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬لإعادة‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬أعماق‭ ‬الفضاء،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الرحلات‭ ‬الفضائية‭ ‬مجرد‭ ‬استعراض‭ ‬علمي‭ ‬أو‭ ‬سباق‭ ‬على‭ ‬النفوذ،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مختبر‭ ‬ضخم‭ ‬لتطوير‭ ‬تقنيات‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬صياغة‭ ‬الحياة‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الطب‭ ‬والغذاء‭ ‬والطاقة‭ ‬والاستدامة‭.‬
وبعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬25‭ ‬عاماً‭ ‬من‭ ‬الوجود‭ ‬البشري‭ ‬المتواصل‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬محطة‭ ‬الفضاء‭ ‬الدولية،‭ ‬أصبحت‭ ‬المحطة‭ ‬نموذجاً‭ ‬مصغراً‭ ‬للحياة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬محدودة‭ ‬الموارد‭. ‬فقد‭ ‬طُورت‭ ‬فيها‭ ‬أنظمة‭ ‬مغلقة‭ ‬لإعادة‭ ‬تدوير‭ ‬المياه‭ ‬وتجديد‭ ‬الهواء‭ ‬وتحويل‭ ‬النفايات‭ ‬إلى‭ ‬موارد،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مراقبة‭ ‬صحة‭ ‬الإنسان‭ ‬باستمرار‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬شديدة‭ ‬القسوة‭.‬
وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬التقنيات‭ ‬أهمية‭ ‬متزايدة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬مع‭ ‬تفاقم‭ ‬ندرة‭ ‬المياه‭ ‬واضطرابات‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬والضغوط‭ ‬البيئية‭. ‬فالحلول‭ ‬التي‭ ‬صُممت‭ ‬لبقاء‭ ‬رواد‭ ‬الفضاء‭ ‬يمكن‭ ‬استخدامها‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬الذكية‭ ‬والزراعة‭ ‬الحديثة‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬المحلية،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬الكفاءة‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬الهدر‭.‬

بيولوجيا‭ ‬فضائية
في‭ ‬قلب‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬تقف‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحيوية‭ ‬التي‭ ‬وجدت‭ ‬في‭ ‬الجاذبية‭ ‬الصغرى‭ ‬بيئة‭ ‬فريدة‭ ‬لدراسة‭ ‬جسم‭ ‬الإنسان‭. ‬ففي‭ ‬الفضاء‭ ‬تتراجع‭ ‬كثافة‭ ‬العظام‭ ‬وتضعف‭ ‬العضلات‭ ‬وتتغير‭ ‬استجابات‭ ‬الجهاز‭ ‬المناعي‭ ‬بسرعة،‭ ‬وهي‭ ‬تحولات‭ ‬تشبه‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬آثار‭ ‬الشيخوخة‭ ‬المتسارعة‭.‬
ولهذا‭ ‬أصبحت‭ ‬الرحلات‭ ‬الفضائية‭ ‬منصة‭ ‬مهمة‭ ‬لدراسة‭ ‬الأمراض‭ ‬المزمنة‭ ‬والشيخوخة‭ ‬وتطوير‭ ‬الطب‭ ‬التجديدي‭. ‬كما‭ ‬تسمح‭ ‬الجاذبية‭ ‬الصغرى‭ ‬بإنتاج‭ ‬بلورات‭ ‬بروتينية‭ ‬أكثر‭ ‬دقة،‭ ‬ما‭ ‬يساعد‭ ‬شركات‭ ‬الأدوية‭ ‬على‭ ‬تصميم‭ ‬علاجات‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية،‭ ‬فيما‭ ‬بدأت‭ ‬شركات‭ ‬بالفعل‭ ‬إجراء‭ ‬أبحاث‭ ‬على‭ ‬مواد‭ ‬حيوية‭ ‬يصعب‭ ‬تصنيعها‭ ‬بالكفاءة‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬
وتحرز‭ ‬أبحاث‭ ‬الخلايا‭ ‬الجذعية‭ ‬بدورها‭ ‬تقدماً‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬نمو‭ ‬الخلايا‭ ‬وتمايزها،‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬فرصاً‭ ‬أمام‭ ‬هندسة‭ ‬الأنسجة‭ ‬وعلاجات‭ ‬الشيخوخة‭. ‬وهكذا‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الفضاء‭ ‬مجرد‭ ‬مكان‭ ‬لإجراء‭ ‬التجارب،‭ ‬بل‭ ‬يتحول‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬للإنتاج‭ ‬الحيوي‭ ‬واختبار‭ ‬علاجات‭ ‬وتقنيات‭ ‬يمكن‭ ‬نقلها‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الأرضية‭.‬

ذكاء‭ ‬حيوي
ويتسارع‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬مع‭ ‬صعود‭ ‬البيولوجيا‭ ‬التركيبية‭ ‬والبيولوجيا‭ ‬التوليدية‭ ‬المدعومة‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬وتسمح‭ ‬الأولى‭ ‬بإعادة‭ ‬برمجة‭ ‬الأنظمة‭ ‬الحية‭ ‬لإنتاج‭ ‬الأدوية‭ ‬والمواد‭ ‬الغذائية‭ ‬والمركبات‭ ‬المتخصصة،‭ ‬فيما‭ ‬يستخدم‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لتصميم‭ ‬بروتينات‭ ‬وإنزيمات‭ ‬ومسارات‭ ‬حيوية‭ ‬بسرعة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الأساليب‭ ‬التقليدية‭.‬
كما‭ ‬تتطور‭ ‬تقنيات‭ ‬الموائع‭ ‬الدقيقة‭ ‬والخلايا‭ ‬الاصطناعية،‭ ‬التي‭ ‬توفر‭ ‬أنظمة‭ ‬بيولوجية‭ ‬مبسطة‭ ‬وقابلة‭ ‬للتحكم،‭ ‬ويمكن‭ ‬استخدامها‭ ‬لإنتاج‭ ‬الأدوية‭ ‬أو‭ ‬توصيلها‭ ‬بكفاءة‭ ‬أعلى‭. ‬وفي‭ ‬المهمات‭ ‬الفضائية‭ ‬الطويلة،‭ ‬قد‭ ‬تستخدم‭ ‬هذه‭ ‬التقنيات‭ ‬لتصميم‭ ‬كائنات‭ ‬دقيقة‭ ‬تعيد‭ ‬تدوير‭ ‬النفايات‭ ‬وتنتج‭ ‬المغذيات‭ ‬والمواد‭ ‬المطلوبة‭ ‬داخل‭ ‬المركبة‭ ‬نفسها‭.‬
أما‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬فيمكن‭ ‬أن‭ ‬تسرع‭ ‬اكتشاف‭ ‬الأدوية‭ ‬وتطوير‭ ‬مواد‭ ‬حيوية‭ ‬صديقة‭ ‬للبيئة‭ ‬وتقنيات‭ ‬احتجاز‭ ‬الكربون،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬التصنيع‭ ‬الحيوي‭ ‬اللامركزي،‭ ‬بحيث‭ ‬يمكن‭ ‬إنتاج‭ ‬مواد‭ ‬أو‭ ‬علاجات‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬متعددة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬منشآت‭ ‬ضخمة‭ ‬بعيدة‭.‬

سرعة‭ ‬الابتكار
ومع‭ ‬دمج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بالمختبرات‭ ‬الآلية،‭ ‬تتقلص‭ ‬الفترة‭ ‬بين‭ ‬الاكتشاف‭ ‬والتطبيق‭. ‬فالمعرفة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬في‭ ‬المدار‭ ‬يمكن‭ ‬تحويلها‭ ‬بوتيرة‭ ‬أسرع‭ ‬إلى‭ ‬أدوية‭ ‬وتشخيصات‭ ‬ومنتجات‭ ‬تستخدم‭ ‬يومياً،‭ ‬بما‭ ‬يخلق‭ ‬نموذجاً‭ ‬جديداً‭ ‬للابتكار‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬السرعة‭ ‬والدقة‭ ‬وكفاءة‭ ‬استهلاك‭ ‬الموارد‭.‬
لكن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬القيمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكاملة‭ ‬لهذا‭ ‬القطاع‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يواجه‭ ‬عقبات،‭ ‬إذ‭ ‬تعمل‭ ‬وكالات‭ ‬الفضاء‭ ‬وشركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحيوية‭ ‬ومطورو‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬غالباً‭ ‬داخل‭ ‬منظومات‭ ‬منفصلة،‭ ‬ما‭ ‬يبطئ‭ ‬انتقال‭ ‬الأبحاث‭ ‬إلى‭ ‬التطبيقات‭ ‬التجارية‭.‬
ولهذا‭ ‬تحتاج‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬إلى‭ ‬شراكات‭ ‬أوسع‭ ‬بين‭ ‬قطاع‭ ‬الفضاء‭ ‬وشركات‭ ‬الأدوية‭ ‬ومختبرات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحيوية‭ ‬ومطوري‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أطر‭ ‬تنظيمية‭ ‬تستطيع‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬تقنيات‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الطيران‭ ‬الفضائي‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬والتصنيع‭ ‬المتقدم‭.‬

سوق‭ ‬جديدة
وتفتح‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬مجالاً‭ ‬استثمارياً‭ ‬جديداً‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التصنيع‭ ‬الحيوي‭ ‬الفضائي‭ ‬والهندسة‭ ‬البيولوجية‭ ‬المدعومة‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬المستدامة‭. ‬وقد‭ ‬تجد‭ ‬الشركات‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬فرص‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬قبل‭ ‬سنوات،‭ ‬تمتد‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬الأدوية‭ ‬في‭ ‬المدار‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬أنظمة‭ ‬متكاملة‭ ‬لإدارة‭ ‬المياه‭ ‬والنفايات‭ ‬والغذاء‭.‬
كما‭ ‬ستحتاج‭ ‬الشركات‭ ‬الصناعية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬إلى‭ ‬تحالفات‭ ‬غير‭ ‬تقليدية‭ ‬تجمع‭ ‬مهندسي‭ ‬الفضاء‭ ‬وعلماء‭ ‬الأحياء‭ ‬ومطوري‭ ‬البرمجيات‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الابتكار‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬قائماً‭ ‬على‭ ‬تخصص‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬دمج‭ ‬عدة‭ ‬قطاعات‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭.‬

الفضاء‭ ‬يعيد‭ ‬تصميم‭ ‬اقتصاد‭ ‬الحياة
في‭ ‬النهاية،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬تقدمه‭ ‬رحلات‭ ‬الفضاء‭ ‬للبشرية‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬القمر‭ ‬أو‭ ‬الكواكب؛‭ ‬فهي‭ ‬تعلم‭ ‬الإنسان‭ ‬كيفية‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭ ‬المحدودة‭ ‬والبقاء‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬شديدة‭ ‬القسوة‭. ‬ومع‭ ‬إضافة‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحيوية‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الخبرة،‭ ‬تتشكل‭ ‬صناعة‭ ‬جديدة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬حلول‭ ‬للطب‭ ‬والغذاء‭ ‬والاستدامة‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬سباق‭ ‬الفضاء‭ ‬المقبل‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يغير‭ ‬فقط‭ ‬طريقة‭ ‬استكشاف‭ ‬الكون،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬أيضاً‭ ‬تصميم‭ ‬الحياة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬

رجوع لأعلى