تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفاهيم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬والتفسير

UU…33

عند‭ ‬تحليل‭ ‬المشكلات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬مراعاة‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬مدخلاً‭ ‬صحيحاً‭ ‬للفهم‭ ‬والتحليل،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الدقة‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬اللغة،‭ ‬والالتزام‭ ‬بقواعد‭ ‬المنطق،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الإحاطة‭ ‬بالأدوات‭ ‬التي‭ ‬يستخدمها‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬وتوظيفها‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬صُممت‭ ‬من‭ ‬أجله‭.‬
فنجاح‭ ‬عملية‭ ‬التفاهم‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يقوم‭ ‬بالأساس‭ ‬على‭ ‬وضوح‭ ‬المصطلحات،‭ ‬بحيث‭ ‬تعكس‭ ‬الكلمات‭ ‬المعنى‭ ‬المقصود‭ ‬بدقة،‭ ‬وتؤدي‭ ‬الدلالة‭ ‬نفسها‭ ‬لدى‭ ‬المتحدث‭ ‬والمستمع،‭ ‬وكذلك‭ ‬لدى‭ ‬الكاتب‭ ‬والقارئ‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬إذ‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬ينشأ‭ ‬الالتباس‭ ‬وسوء‭ ‬الفهم‭ ‬في‭ ‬النقاشات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬نتيجة‭ ‬اختلاف‭ ‬المعاني‭ ‬المتداولة‭ ‬للكلمات‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬الاستخدام‭ ‬العلمي‭.‬
فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تختلف‭ ‬دلالة‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬إنتاج‮»‬‭ ‬في‭ ‬الاستعمال‭ ‬الشائع‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬المفهوم‭ ‬الاقتصادي؛‭ ‬ففي‭ ‬الاستخدام‭ ‬اليومي‭ ‬تشير‭ ‬غالباً‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬السلع‭ ‬المادية‭ ‬الملموسة،‭ ‬بينما‭ ‬تمتد‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لتشمل‭ ‬كل‭ ‬نشاط‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬إشباع‭ ‬حاجات‭ ‬الآخرين،‭ ‬ووفق‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم،‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬الإنتاج‭ ‬على‭ ‬العامل‭ ‬أو‭ ‬مدير‭ ‬المصنع‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬أيضاً‭ ‬كاتب‭ ‬الإعلانات‭ ‬والبائع،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬الطبيب‭ ‬والمعلم،‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬نشاطهم‭ ‬يحقق‭ ‬منفعة‭ ‬ويُلبي‭ ‬حاجة‭ ‬لدى‭ ‬الآخرين‭.‬

مصطلحات‭ ‬اقتصادية

ومن‭ ‬المصطلحات‭ ‬التي‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬تثير‭ ‬اللبس‭ ‬أيضاً‭ ‬مفهومي‭ ‬‮«‬رأس‭ ‬المال‮»‬‭ ‬و«الاستثمار‮»‬‭. ‬ففي‭ ‬الفهم‭ ‬العام،‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬بوصفه‭ ‬الأموال‭ ‬المخصصة‭ ‬للاستثمار‭ ‬أو‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬والعقارية‭ ‬التي‭ ‬يمتلكها‭ ‬الفرد،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يعرّفه‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬بأنه‭ ‬يشمل‭ ‬الأدوات‭ ‬والآلات‭ ‬والمصانع‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يُستخدم‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الإنتاج،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭. ‬وقد‭ ‬يمتد‭ ‬المفهوم‭ ‬أحياناً‭ ‬ليشمل‭ ‬بعض‭ ‬النفقات‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬محددة‭.‬
أما‭ ‬‮«‬الاستثمار‮»‬،‭ ‬فيُفهم‭ ‬عادة‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬توظيف‭ ‬الأموال‭ ‬في‭ ‬الأسهم‭ ‬أو‭ ‬السندات‭ ‬أو‭ ‬العقارات‭ ‬بهدف‭ ‬تحقيق‭ ‬عائد،‭ ‬بينما‭ ‬يراه‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬أوسع‭ ‬باعتباره‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬الإنتاج‭ ‬المختلفة،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬تكوين‭ ‬رأس‭ ‬المال‭.‬
ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬تعدد‭ ‬المعاني‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المصطلحات‭ ‬فقط،‭ ‬فهناك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬النقود‮»‬‭ ‬و«المنافسة‮»‬‭ ‬و«الكساد‮»‬‭ ‬و‮«‬الطلب‮»‬‭ ‬و«الدخل‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تختلف‭ ‬دلالاتها‭ ‬باختلاف‭ ‬زاوية‭ ‬النظر‭ ‬والسياق‭ ‬المستخدم‭ ‬فيه،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬تحديد‭ ‬المعنى‭ ‬الدقيق‭ ‬لها‭ ‬أمراً‭ ‬ضرورياً‭ ‬لتجنب‭ ‬الالتباس‭ ‬وضمان‭ ‬سلامة‭ ‬التحليل‭ ‬الاقتصادي‭.‬

التفكير‭ ‬المنطقي

يقتضي‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المشكلات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التمسك‭ ‬بقواعد‭ ‬التفكير‭ ‬المنطقي‭ ‬السليم،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬عرض‭ ‬هذه‭ ‬القواعد‭ ‬بصورة‭ ‬تفصيلية‭ ‬شاملة‭ ‬يشبه‭ ‬تأليف‭ ‬كتاب‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬المنطق،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬يتجاوز‭ ‬نطاق‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭. ‬لذلك‭ ‬يمكن‭ ‬الاكتفاء‭ ‬هنا‭ ‬بإبراز‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬التحذيرات‭ ‬التي‭ ‬تسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬أبرز‭ ‬الأخطاء‭ ‬الشائعة‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬القضايا‭ ‬الاقتصادية‭.‬
أول‭ ‬هذه‭ ‬الأخطاء‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬المغالطة‭ ‬التي‭ ‬تفترض‭ ‬أن‭ ‬مجرد‭ ‬تتابع‭ ‬حدثين‭ ‬زمنياً‭ ‬يعني‭ ‬وجود‭ ‬علاقة‭ ‬سببية‭ ‬بينهما‭. ‬فسبق‭ ‬شيء‭ ‬لآخر‭ ‬أو‭ ‬اقترانه‭ ‬به‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬أنه‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬حدوثه،‭ ‬ويتضح‭ ‬هذا‭ ‬الخطأ‭ ‬في‭ ‬مثال‭ ‬بسيط‭ ‬كتعاقب‭ ‬الليل‭ ‬والنهار،‭ ‬إذ‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬أحدهما‭ ‬يتلو‭ ‬الآخر‭ ‬بشكل‭ ‬منتظم،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أحدهما‭ ‬يُسبب‭ ‬الآخر،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬كليهما‭ ‬نتيجة‭ ‬لنظام‭ ‬كوني‭ ‬واحد‭.‬
أما‭ ‬المغالطة‭ ‬الثانية‭ ‬فتقوم‭ ‬على‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬سبباً‭ ‬واحداً‭ ‬كافٍ‭ ‬لتفسير‭ ‬نتيجة‭ ‬اقتصادية‭ ‬معقدة‭. ‬ففي‭ ‬الواقع،‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تنتج‭ ‬الظواهر‭ ‬الاقتصادية‭ ‬عن‭ ‬تداخل‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭. ‬ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬تفسير‭ ‬التضخم‭ ‬الذي‭ ‬أعقب‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إرجاعه‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬واحد‭ ‬مثل‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المؤثرات‭ ‬المتداخلة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬ضعف‭ ‬العرض‭ ‬نتيجة‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬المدني‭ ‬بسبب‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬الحربي،‭ ‬وارتفاع‭ ‬حجم‭ ‬المدخرات،‭ ‬وسهولة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الائتمان‭ ‬المصرفي،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬العوامل‭.‬

سلوك‭ ‬اقتصادي

وتتمثل‭ ‬المغالطة‭ ‬الثالثة‭ ‬في‭ ‬افتراض‭ ‬أن‭ ‬سلوك‭ ‬‮«‬الكل‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬سلوك‭ ‬الأجزاء‭. ‬ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مقارنة‭ ‬غير‭ ‬دقيقة‭ ‬بين‭ ‬إدارة‭ ‬الدولة‭ ‬لميزانيتها‭ ‬وإدارة‭ ‬الأسرة‭ ‬لمواردها‭ ‬المالية،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬طبيعة‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬مختلفة‭ ‬جذرياً‭. ‬فالحكومات‭ ‬تمتلك‭ ‬أدوات‭ ‬أوسع‭ ‬للإنفاق‭ ‬والاقتراض‭ ‬وإعادة‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الإيرادات‭ ‬والمصروفات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يتوفر‭ ‬للوحدات‭ ‬الأسرية‭.‬
أما‭ ‬المغالطة‭ ‬الرابعة،‭ ‬فهي‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬بنفس‭ ‬التسلسل‭ ‬سيحدث‭ ‬بالضرورة‭ ‬بالطريقة‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭ ‬أو‭ ‬المستقبل‭. ‬وقد‭ ‬أدت‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭ ‬إلى‭ ‬توقعات‭ ‬خاطئة‭ ‬لدى‭ ‬البعض،‭ ‬مثل‭ ‬توقع‭ ‬انهيار‭ ‬الأسعار‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬أنماط‭ ‬تاريخية‭ ‬سابقة‭ ‬دون‭ ‬مراعاة‭ ‬تغير‭ ‬الظروف‭.‬
وتتمثل‭ ‬المغالطة‭ ‬الخامسة‭ ‬في‭ ‬‮«‬التفكير‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬التمني‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬الإنسان‭ ‬ما‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬رؤيته‭ ‬لا‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬قائم‭ ‬فعلاً،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬أزمة‭ ‬عام‭ ‬1929،‭ ‬حيث‭ ‬غلبت‭ ‬التوقعات‭ ‬المتفائلة‭ ‬غير‭ ‬المبنية‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬واقعي‭ ‬للمعطيات‭ ‬الاقتصادية‭.‬

تفسير‭ ‬خاطئ

كما‭ ‬تظهر‭ ‬مغالطة‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬مجالات‭ ‬متعددة،‭ ‬وهي‭ ‬ربط‭ ‬القضايا‭ ‬المعقدة‭ ‬بأسماء‭ ‬شخصيات‭ ‬بعينها،‭ ‬بما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تبسيط‭ ‬مخلّ‭. ‬ومن‭ ‬أمثلة‭ ‬ذلك‭ ‬ربط‭ ‬الأزمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬باسم‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الأسبق‭ ‬هربرت‭ ‬هوفر،‭ ‬أو‭ ‬ربط‭ ‬التضخم‭ ‬الذي‭ ‬تلا‭ ‬الحرب‭ ‬باسم‭ ‬الرئيس‭ ‬هاري‭ ‬ترومان،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬نتاج‭ ‬تفاعلات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وسياسية‭ ‬معقدة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزالها‭ ‬في‭ ‬شخص‭ ‬واحد‭. ‬ويؤدي‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬إلى‭ ‬إغفال‭ ‬العوامل‭ ‬الحقيقية‭ ‬المؤثرة،‭ ‬ويعكس‭ ‬تبسيطاً‭ ‬مفرطاً‭ ‬لا‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬العلمي‭ ‬الدقيق‭ ‬للواقع‭ ‬الاقتصادي‭.‬

موضوعية‭ ‬فكرية

يتطلب‭ ‬حل‭ ‬المشكلات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬قدراً‭ ‬عالياً‭ ‬من‭ ‬المرونة‭ ‬الفكرية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تبني‭ ‬نظرة‭ ‬موضوعية‭ ‬مستقلة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الظواهر‭ ‬والأحداث،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬قبول‭ ‬النتائج‭ ‬المنطقية‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬دون‭ ‬إنكارها‭ ‬أو‭ ‬تحويرها‭ ‬بدافع‭ ‬الرفض‭ ‬الشخصي‭ ‬أو‭ ‬التحيز‭ ‬المسبق‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬ويشير‭ ‬ألبرت‭ ‬شفايتزر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أول‭ ‬فعل‭ ‬نشط‭ ‬للفكر‭ ‬هو‭ ‬الإذعان‭ ‬لما‭ ‬يحدث‭ ‬والتعامل‭ ‬معه‭ ‬باعتباره‭ ‬حقيقة‭ ‬واقعة‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الموضوعية‮»‬‭ ‬مفهوم‭ ‬يحظى‭ ‬بقبول‭ ‬عام،‭ ‬فإن‭ ‬تحديده‭ ‬بدقة‭ ‬يظل‭ ‬إشكاليًا‭ ‬لدى‭ ‬كثيرين،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬جوهرها‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬الأهواء‭ ‬الذاتية‭ ‬والأفكار‭ ‬الجامدة‭ ‬عند‭ ‬تحليل‭ ‬القضايا،‭ ‬لأن‭ ‬التمسك‭ ‬بهذه‭ ‬الأهواء‭ ‬يؤدي‭ ‬غالباً‭ ‬إلى‭ ‬تشويه‭ ‬الفهم،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬غير‭ ‬دقيقة‭ ‬تبعد‭ ‬عن‭ ‬الصواب‭.‬
وتنشأ‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المواقف‭ ‬غير‭ ‬الموضوعية‭ ‬من‭ ‬ارتباط‭ ‬التفكير‭ ‬بالمصلحة‭ ‬الشخصية‭ ‬أو‭ ‬البيئة‭ ‬المحيطة‭ ‬بالفرد‭. ‬فمثلاً،‭ ‬قد‭ ‬يجد‭ ‬رجل‭ ‬الأعمال‭ ‬الذي‭ ‬يخشى‭ ‬المنافسة‭ ‬الخارجية‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬رؤية‭ ‬موضوعية‭ ‬تجاه‭ ‬خفض‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬أو‭ ‬تعديل‭ ‬السياسات‭ ‬التجارية،‭ ‬لأنه‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬القضية‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬مصالحه‭ ‬المباشرة‭ ‬فقط،‭ ‬دون‭ ‬مراعاة‭ ‬الأبعاد‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأشمل‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمصلحة‭ ‬العامة‭ ‬أو‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للدولة‭.‬

تغير‭ ‬الظروف

وبالمثل،‭ ‬قد‭ ‬يواجه‭ ‬العمال‭ ‬الذين‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬الأجور‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬إدراك‭ ‬الآثار‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المحتملة‭ ‬لهذه‭ ‬الزيادات،‭ ‬مثل‭ ‬ضغوط‭ ‬التضخم‭ ‬أو‭ ‬انعكاساتها‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬الأسعار،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الرؤية‭ ‬الجزئية‭ ‬للمصلحة‭ ‬الشخصية‭ ‬عائقاً‭ ‬أمام‭ ‬الفهم‭ ‬المتوازن‭ ‬للنتائج‭.‬
كما‭ ‬تنشأ‭ ‬بعض‭ ‬الأفكار‭ ‬الجامدة‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬السابقة‭ ‬التي‭ ‬يمر‭ ‬بها‭ ‬الإنسان،‭ ‬حيث‭ ‬يميل‭ ‬الأفراد‭ ‬إلى‭ ‬تشكيل‭ ‬أنماط‭ ‬تفكير‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬ظروف‭ ‬معينة‭ ‬اعتادوا‭ ‬عليها،‭ ‬ثم‭ ‬يستمرون‭ ‬في‭ ‬استخدامها‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬تغير‭ ‬تلك‭ ‬الظروف‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بطبيعته‭ ‬متغير،‭ ‬ما‭ ‬يستوجب‭ ‬تحديث‭ ‬أدوات‭ ‬التفكير‭ ‬باستمرار‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬أنماط‭ ‬قديمة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬صالحة‭.‬
فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬بالشكل‭ ‬الصحيح‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر‭ ‬إذا‭ ‬ظل‭ ‬التفكير‭ ‬محصوراً‭ ‬في‭ ‬تصورات‭ ‬سابقة‭ ‬نشأت‭ ‬قبل‭ ‬عقود،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬تطور‭ ‬دور‭ ‬الحكومات‭ ‬وتعقّد‭ ‬وظائفها‭ ‬يفرض‭ ‬أدوات‭ ‬تحليل‭ ‬أكثر‭ ‬حداثة‭ ‬ومرونة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تكمن‭ ‬الخطورة‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬تحديات‭ ‬الحاضر‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭ ‬بوصفه‭ ‬نموذجاً‭ ‬مثالياً،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تطوير‭ ‬الفكر‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬المتغير‭ ‬ومتطلباته‭.‬

رجوع لأعلى