النفط يشتعل.. وبرنت يكسر حاجز 110 دولارات
دخلت أسواق النفط العالمية مرحلة جديدة من التوتر، بعدما دفعت المخاوف المتصاعدة بشأن أمن الإمدادات في الشرق الأوسط أسعار الخام إلى مستويات مرتفعة، وسط اتساع نطاق التهديدات التي تواجه ناقلات النفط والبنية التحتية للطاقة. ولم تعد المخاطر محصورة في احتمالات تعطل الإنتاج، بل امتدت إلى الممرات البحرية وعمليات الشحن والتحميل، ما وضع الأسواق أمام معادلة أكثر تعقيداً تجمع بين ارتفاع الأسعار وتزايـد تكاليف نقل الطاقـــة وصعوبة ضمان وصول الإمدادات إلى المستهلكين.
وفي تعاملات الأربعاء، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 1.21 دولار لتصل إلى 110 دولارات للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بأكثر من دولار إلى 99 دولاراً، في تحرك يعكس تنامي القلق من تأثير التطورات الأمنية على تدفقات النفط العالمية. وتكشف هذه الارتفاعات عن حساسية السوق تجاه أي تهديد للملاحة، خصوصاً عندما يتزامن مع انخفاض المخزونات الأميركية وتصاعد الضغوط على إمدادات الوقود.
علاوة المخاطر
تكتسب الزيادة الأخيرة في الأسعار أهمية تتجاوز مقدار الارتفاع اليومي، إذ تعكس عودة المخاطر الجيوسياسية إلى صدارة العوامل المؤثرة في تسعير النفط. فالمتعاملون لا ينظرون فقط إلى حجم البراميل المنتجة، وإنما إلى القدرة الفعلية على نقلها وتسليمها في المواعيد المحددة، وهو ما يجعل سلامة طرق الشحن عنصراً أساسياً في تقييم توازن السوق.
وعندما تتزايد احتمالات تعرض الناقلات للهجمات أو تتعطل حركة الملاحة، تصبح الشركات المستوردة أكثر ميلاً إلى تأمين احتياجاتها مبكراً، بينما يطالب بعض الموردين بعوائد إضافية لتعويض المخاطر المحتملة. وقد يؤدي ذلك إلى اتساع الفارق بين السعر النظري للخام وتكلفته الفعلية عند وصوله إلى المصافي، خصوصاً إذا ارتفعت أقساط التأمين وأجور النقل البحري.
كما أن استمرار الأسعـار عند مستويـات مرتفعـة قـد ينعكس علـى توقعات التضخم والنمـو الاقتصـادي، نظـراً إلى ارتباط النفط بتكاليف الصناعة والنقل والخدمات. ولذلك تتابع الأسواق التطورات الأمنية بوصفها عاملاً قد يعيد تشكيل توقعات العرض والطلب خلال الفترة المقبلة.
تهديدات هرمز
زادت المخاوف بعدما نقلت وسائل إعلام إيرانية عن البحرية التابعة للحرس الثوري، الثلاثاء، أن ناقلة نفط عملاقة اشتعلت فيها النيران إثر اصطدامها بلغم بحري جنوب مضيق هرمز، خلال ما وصفته بمخالفة القواعد الإيرانية. ويضيف هذا الإعلان، الذي يستند إلى الرواية الإيرانية، بعداً جديداً للمخاطر البحرية، نظراً إلى طبيعة التهديد الذي تمثله الألغام للسفن التجارية.
وتكمن خطورة مثل هذه الحوادث في أن آثارها المحتملة لا تتوقف عند الناقلة المستهدفة، إذ قد تدفع شركات الشحن إلى إعادة تقييم مساراتها وإجراءاتها الأمنية، كما يمكن أن تؤدي إلى تأخير الرحلات أو زيادة تكاليف تشغيل السفن. وتزداد حساسية هذه التطورات في منطقة تعتمد عليها تجارة الطاقة الدولية لنقل كميات كبيرة من النفط والمنتجات البترولية.
ويُعد مضيق هرمز ممراً استراتيجياً لصادرات عدد من كبار المنتجين الخليجيين، ما يجعل أي اضطراب مستمر في محيطه عاملاً مؤثراً في ثقة المشترين واستقرار الإمدادات، حتى دون حدوث توقف شامل لحركة الناقلات.
اتساع الاستهداف
لم تعد التهديدات مقتصرة على مضيق هرمز، إذ أشارت مجموعة بورصات لندن في مذكرة تحليلية إلى امتداد الهجمات على ناقلات النفط باتجاه الجنوب وصولاً إلى خليج عمان، بما يهدد عمليات التحميل خارج الخليج العربي، إلى جانب عمليات نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى.
وتكشف هذه التطورات عن تحول مهم في طبيعة المخاطر، بعدما كانت بعض العمليات البحرية خارج المناطق الأكثر توتراً تمثل وسيلة لتخفيف الاضطرابات والمحافظة على تدفق الشحنات. ومع اتساع نطاق الاستهداف، قد تتراجع فعالية هذه البدائل، ما يزيد الضغوط التشغيلية على الشركات المنتجة والمصدرة.
وبحسب مذكرة لشركة «كبلر» المتخصصة في تتبع السفن، سُجل ما لا يقل عن 18 هجوماً على سفن خلال أسبوعين. ويعكس هذا العدد كثافة الحوادث المبلغ عنها، لكنه لا يعني بالضرورة تعطل العدد نفسه من ناقلات النفط أو خروجها من الخدمة.
وتثير هذه المعطيات تساؤلات بشأن قدرة شبكات النقل البحري على التكيف مع استمرار التوترات، خصوصاً في ظل الحاجة إلى المحافظة على انتظام وصول الشحنات إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية وغيرها من مراكز الاستهلاك.
أزمة الوقود
بالتوازي مع اضطرابات الشحن، تواجه سوق المنتجات النفطية ضغوطاً متزايدة، خصوصاً الديزل الذي يمثل عنصراً رئيسياً في حركة النقل البري والصناعة والخدمات اللوجستية. وأعلن مسؤولان في وزارة الطاقة الأميركية، الثلاثاء، أن واشنطن تعمل مع شركات تكرير في أنحاء العالم لزيادة إنتاج الوقود، بعدما ساهم نقص الديزل في دفع الأسعار إلى الارتفاع.
وتشير هذه التحركات إلى أن التحدي لا يتعلق بتوافر النفط الخام وحده، وإنما بقدرة المصافي على تحويله إلى منتجات تلبي احتياجات الأسواق. فقد تتوافر كميات من الخام دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى تخفيف نقص الديزل، إذا كانت الطاقة التكريرية أو عمليات نقل المنتجات تواجه قيوداً تشغيلية.
استنزاف المخزونات
أضافت بيانات المخزونات الأميركية عاملاً داعماً للأسعار، بعدما كشفت تقديرات معهد البترول الأميركي عن تراجع مخزونات الخام والبنزين ونواتج التقطير خلال الأسبوع الماضي، في مؤشر إلى ضغوط متزامنة على عدة مكونات رئيسية من سوق الطاقة.
وبحسب مصادر في السوق نقلت بيانات المعهد، انخفضت مخزونات النفط الخام بمقدار 4.9 ملايين برميل، فيما تراجعت مخزونات البنزين بنحو مليوني برميل، ونواتج التقطير بنحو 2.6 مليون برميل، مقارنة بالأسبوع السابق.
وتعني هذه الأرقام أن الانخفاض لم يقتصر على الخام، بل شمل منتجات تستخدم مباشرة في النقل والاستهلاك الصناعي. ومن شأن استمرار هذا الاتجاه، إذا أكدته البيانات الرسمية اللاحقة، أن يقلص قدرة السوق الأميركية على امتصاص اضطرابات إضافية دون ارتفاع الأسعار.
حسابات المنتجين
بالنسبة للدول المنتجة للنفط، تخلق الأسعار المرتفعة فرصاً وتحديات متزامنة. فمن الناحية المالية، يمكن أن يؤدي ارتفاع سعر البرميل إلى تعزيز الإيرادات النفطية، شريطة المحافظة على مستويات الإنتاج والتصدير، بينما قد تؤدي المخاطر البحرية إلى زيادة تكاليف نقل الشحنات وتقليص بعض المكاسب.
وتبرز هنا أهمية البنية التحتية البديلة، بما فيها خطوط الأنابيب والموانئ التي تسمح بتجاوز الممرات الأكثر تعرضاً للمخاطر. غير أن هذه البدائل تختلف في طاقاتها الاستيعابية، ولا يمكن افتراض قدرتها على تعويض جميع التدفقات المتأثرة.
وفي المقابل، قد يؤدي استمرار ارتفاع أسعار الطاقة إلى إضعاف الطلب العالمي تدريجياً، خصوصاً لدى الاقتصادات المستوردة التي تواجه ضغوطاً على ميزانياتها التجارية وتكاليف الإنتاج. ولذلك فإن استقرار السوق يظل مرتبطاً بقدرة المنتجين على تأمين الإمدادات، وليس فقط بالاستفادة من الأسعار المرتفعة.
سيناريوهات السوق
تتجه الأنظار خلال الفترة المقبلة إلى ثلاثة مسارات رئيسية ستحدد اتجاه الأسعار. يتمثل الأول في انحسار التهديدات البحرية واستمرار تدفق الشحنات، وهو ما قد يخفف علاوة المخاطر ويدفع الأسعار إلى الاستقرار أو التراجع.
أما المسار الثاني فيتمثل في استمرار الهجمات دون حدوث توقف واسع للصادرات، وهو سيناريو قد يُبقي الأسعار متقلبة ومرتفعة نسبياً، مع استمرار الضغوط على التأمين والشحن.
ويتمثل المسار الثالث، والأكثر خطورة، في تعرض منشآت إنتاج أو موانئ تصدير لتعطل كبير، بما قد يفرض ضغوطاً إضافية على الإمدادات ويرفع احتمالات حدوث قفزات سعرية جديدة.
وتظل هذه السيناريوهات احتمالات تحليلية وليست توقعات مؤكدة، إذ تتوقف نتائجها على التطورات الأمنية والدبلوماسية وقدرة الأسواق على توفير بدائل فعالة.