ترامب يحارب الطاقة الخضراء.. فتسجل أرقاماً قياسية
تحولت المواجهة التي يخوضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد الطاقة المتجددة إلى مفارقة اقتصادية لافتة، بعدما واصل قطاع الكهرباء النظيفة تحقيق مستويات قياسية من التوسع رغم القيود التنظيمية وتقليص الحوافز الحكومية. فبينما تسعى الإدارة الأميركية إلى إعادة الاعتبار للنفط والغاز والفحم، تدفع اعتبارات التكلفة وسرعة التنفيذ والطلب المتزايد على الكهرباء الشركات والمستهلكين نحو مصادر الطاقة الشمسية والرياح، في تحول يكشف اتساع الفجوة بين التوجهات السياسية والحقائق الاقتصادية التي تحكم قرارات الاستثمار.
وتشير تقديرات مؤسسة «إس آند بي جلوبال إينرجي» إلى أن الولايات المتحدة تتجه لإضافة 45 جيجاوات من قدرات الطاقة النظيفة خلال عام 2026، وهو مستوى قياسي جديد يأتي بعد تسجيل شركات المرافق الأميركية مستويات غير مسبوقة من توليد الكهرباء المتجددة في 2025. وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من أنها تتحقق في ظل إدارة تصف الطاقة الشمسية والرياح بأنها مشروعات غير مجدية، ما يطرح تساؤلات بشأن قدرة السياسات الحكومية على تغيير مسار صناعة أصبحت تنافس الوقود الأحفوري اقتصادياً.
مواجهة سياسية
منذ عودته إلى البيت الأبيض، وضع ترامب إبطاء التحول نحو الطاقة المتجددة ضمن أولوياته، معتبراً أن الوقود الأحفوري يمثل ركيزة أساسية لأمن الطاقة الأميركي. وانعكس هذا التوجه في تقليص الإعفاءات الضريبية المخصصة للاستثمارات الخضراء بموجب قانون «مشروع القانون العظيم الواحد الجميل»، الذي أضعف مجموعة من الحوافز التي أقرتها إدارة جو بايدن لتسريع نشر التقنيات النظيفة. وامتدت الإجراءات إلى سحب الولايات المتحدة مجدداً من اتفاقية باريس للمناخ، وتعطيل الموافقات الروتينية لأكثر من 150 مشروعاً برياً لطاقة الرياح، ما أوجد حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين والمطورين بشأن مستقبل المشروعات الجديدة.
غير أن هذه الإجراءات لم تحقق تحولاً مماثلاً في الحسابات الاقتصادية للقطاع، إذ تواصل الشركات تقييم استثماراتها استناداً إلى تكاليف الإنتاج والعوائد المتوقعة، وليس فقط إلى المواقف السياسية. وأصبحت القدرة التنافسية للتكنولوجيا النظيفة عاملاً يصعب تجاوزه حتى في بيئة تنظيمية أقل دعماً.
أرقام قياسية
تكشف التوقعات بإضافة 45 جيجاوات من قدرات الطاقة النظيفة خلال العام الجاري عن استمرار الزخم الاستثماري، رغم التحديات التي تواجه المشروعات الجديدة. وتستفيد هذه الصناعة من انخفاض تكاليف التقنيات وتطور كفاءة المعدات، إلى جانب الحاجة المتزايدة إلى قدرات إضافية لتلبية الطلب على الكهرباء.
كما أسهمت المواعيد النهائية المرتبطة بانتهاء بعض الإعفاءات الضريبية في دفع المطورين إلى تسريع تنفيذ مشروعاتهم، للاستفادة من الحوافز المتاحة قبل انقضائها. ولذلك فإن جزءاً من النمو الحالي يعكس قرارات استثمارية اتخذت في ظل السياسات السابقة، إلى جانب الجدوى الاقتصادية المتزايدة للتقنيات المتجددة.
ورغم أهمية الأرقام القياسية، فإن استمرارها خلال السنوات المقبلة سيعتمد على قدرة الشركات على تجاوز عقبات التصاريح والربط بالشبكات وتكاليف التمويل، خصوصاً مع تراجع بعض أشكال الدعم الحكومي.
معادلة التكلفة
تتمثل إحدى أبرز نقاط قوة الطاقة المتجددة في التحسن المستمر لاقتصاديات إنتاجها، بعدما أصبحت مشروعات الطاقة الشمسية والرياح من بين أرخص الخيارات المتاحة لبناء قدرات جديدة لتوليد الكهرباء في الولايات المتحدة، حتى دون الاعتماد الكامل على الحوافز الضريبية.
ويعود هذا التحول إلى التطورات التكنولوجية التي رفعت كفاءة الألواح الشمسية وتوربينات الرياح والبطاريات، وساعدت على تحسين الأداء وخفض التكلفة مقارنة بالسنوات الماضية.
وتتميز المشروعات المتجددة كذلك بسرعة التنفيذ، إذ يمكن إنجاز العديد منها خلال أقل من عامين، مقابل ثلاثة أعوام على الأقل لبعض مشروعات توليد الكهرباء بالغاز. وتمنح هذه الميزة الشركات قدرة أكبر على الاستجابة للزيادة السريعة في الطلب، خصوصاً عندما تكون الحاجة إلى الكهرباء عاجلة.
مفارقة الوقود
أسهم ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري في تعزيز الجاذبية الاقتصادية لبدائل الطاقة النظيفة، بعدما أصبحت تكاليف البنزين والكهرباء من العوامل المؤثرة بصورة مباشرة في قرارات الأسر والشركات الأميركية.
ووفق المعطيات الواردة في التحليل، تجاوز متوسط سعر البنزين الأميركي مستوى أربعة دولارات للجالون خلال عدد قياسي من أيام العام، وهو مستوى يزيد جاذبية السيارات الكهربائية لدى المستهلكين الذين يقارنون بين تكاليف التشغيل على المدى الطويل.
كما يدفع ارتفاع فواتير الطاقة بعض الأسر إلى التفكير في تركيب الألواح الشمسية المنزلية، بهدف تقليل اعتمادها على الكهرباء المشتراة من الشبكات والحد من تعرضها لتقلبات الأسعار.
وتبرز المفارقة في أن السياسات التي تعطي الأولوية للوقود الأحفوري لم تمنع ارتفاع تكلفته، بينما أسهمت هذه الزيادة في تحسين القدرة التنافسية لبعض البدائل التي تسعى الإدارة إلى إبطاء انتشارها.
شهية التكنولوجيا
أضافت طفرة الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى المنافسة بين مصادر الطاقة، بعدما أصبحت مراكز البيانات من أبرز المحركات المتوقعة لنمو الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة.
وتشير التقديرات الواردة في التحليل إلى احتمال استهلاك هذه المراكز ما يصل إلى 12 % من إجمالي الكهرباء الأميركية بحلول عام 2028، وهو مستوى يعكس حجم التوسع المرتقب في البنية التحتية الرقمية.
وتحتاج شركات التكنولوجيا إلى تأمين قدرات كهربائية كبيرة ومستقرة لتشغيل الخوادم وأنظمة التبريد، ما يدفعها إلى البحث عن مصادر يمكن تنفيذها بسرعة وبأسعار تنافسية.
وقد أدى الطلب المتزايد على قدرات التوليد إلى ارتفاع تكاليف بعض مشروعات محطات الغاز الجديدة، الأمر الذي يعزز جاذبية الطاقة الشمسية والرياح، خصوصاً عند دمجها مع أنظمة التخزين أو مصادر توليد أخرى.
مرونة المستثمرين
رغم الضغوط السياسية، أظهرت شركات الطاقة المتجددة قدرة على التكيف مع البيئة التنظيمية الجديدة، مستفيدة من استمرار الطلب على الكهرباء وتراجع تكاليف التكنولوجيا.
وتشير المعطيات الواردة في النص إلى تفوق العديد من أسهم شركات الطاقة الخضراء عالمياً على نظيراتها في قطاع النفط والغاز منذ بداية الولاية الثانية لترامب، رغم ارتفاع أسعار الوقود وتقليص الحوافز.
كما لجأت بعض الشركات إلى استراتيجية تعرف باسم «الصمت الأخضر»، تقوم على مواصلة الاستثمارات النظيفة دون التركيز في الخطاب الإعلامي على فوائدها المناخية، لتجنب الدخول في مواجهات سياسية قد تعرقل أعمالها.
وفي المقابل، ساعدت قرارات قضائية وضغوط مارستها شركات ومجموعات اقتصادية في الحد من تأثير بعض الإجراءات الحكومية على مشروعات محددة.
تحديات التوسع
لا يعني استمرار النمو أن قطاع الطاقة النظيفة تجاوز جميع العقبات، إذ تواجه الشركات تحديات مرتبطة بنقص العمالة المتخصصة وتأخر التصاريح وارتفاع أسعار بعض المواد الخام والمعدات.
كما أن زيادة قدرات التوليد تحتاج إلى توسع موازٍ في شبكات النقل والتوزيع وأنظمة التخزين، حتى تتمكن الأسواق من الاستفادة الكاملة من الكهرباء المنتجة.
وتشكل هذه المتطلبات اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على مواكبة النمو المتوقع في الطلب، خصوصاً مع التوسع في مراكز البيانات والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.