داو جونز يربح 548 نقطة.. والتكنولوجيا تخسر الرهان
شهدت بورصة وول ستريت تحولاً لافتاً في اتجاهات المستثمرين، بعدما انتقلت السيولة نحو أسهم الرعاية الصحية والقطاعات الدفاعية على حساب شركات التكنولوجيا العملاقة، في جلسة قاد خلالها مؤشر داو جونز الصناعي مكاسب السوق الأميركية بارتفاع تجاوز 547 نقطة. ويعكس هذا التحول إعادة تقييم المستثمرين للفرص المتاحة خارج قطاع الذكاء الاصطناعي، الذي استحوذ على اهتمام الأسواق خلال الفترة الماضية، لكنه بات يواجه تساؤلات متزايدة بشأن قدرته على تحويل الاستثمارات الضخمة إلى أرباح وعوائد مستدامة.
وأظهرت بيانات أولية لجلسة الثلاثاء ارتفاع مؤشر داو جونز بمقدار 547.95 نقطة، تعادل 1.05 %، ليغلق عند 52513.98 نقطة، بينما صعد مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 23.79 نقطة، أو 0.31 %، إلى 7714.52 نقطة. وفي المقابل، تراجع مؤشر ناسداك المجمع بمقدار 9.05 نقاط، تعادل 0.03%، إلى 26421.84 نقطة، في أداء متباين يكشف اتساع الفجوة بين القطاعات التقليدية المستفيدة من إعادة توزيع الاستثمارات وأسهم التكنولوجيا التي فقدت جزءاً من زخمها بعد انتعاشها في الجلسة السابقة.
تحول السيولة
تكشف التحركات الأخيرة في وول ستريت عن تغير تدريجي في أولويات المستثمرين، بعدما أصبحت الأسهم ذات التقييمات الأكثر اعتدالاً والقطاعات التي تتمتع بتدفقات نقدية مستقرة أكثر جاذبية مقارنة بشركات التكنولوجيا مرتفعة القيمة السوقية. ويأتي هذا التحول في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن ارتفاع تكاليف التمويل والإنفاق الرأسمالي الضخم المطلوب لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المرتبطة بها.
ولا يعني انتقال الاستثمارات إلى قطاعات أخرى تخلي الأسواق عن التكنولوجيا، وإنما يعكس توجهاً نحو تنويع المحافظ الاستثمارية وتقليل الاعتماد على مجموعة محدودة من الشركات العملاقة التي لعبت دوراً رئيسياً في صعود المؤشرات الأميركية. فبعد فترة طويلة من تركيز المكاسب في أسهم النمو، بدأ المستثمرون يبحثون عن فرص في شركات تمتلك نماذج أعمال أكثر استقراراً وتقييمات قد تكون أقل حساسية لتغير التوقعات.
صدارة الصحة
برز قطاع الرعاية الصحية باعتباره المستفيد الأكبر من إعادة توزيع الاستثمارات، بعدما قاد مكاسب القطاعات الرئيسية في مؤشر ستاندرد آند بورز 500، مسجلاً مستوى قياسياً خلال تعاملات الثلاثاء. وجاء هذا الأداء مدعوماً بصعود أسهم شركات الأدوية والخدمات الطبية الكبرى، التي استقطبت اهتمام المستثمرين الباحثين عن فرص أقل ارتباطاً بتقلبات قطاع التكنولوجيا.
وأسهمت شركة «إيلاي ليلي»، إلى جانب شركات مدرجة في مؤشر داو جونز، بينها «يونايتد هيلث» و«ميرك آند كو» و«جونسون آند جونسون» و«أمجين»، في تعزيز مكاسب المؤشر الصناعي، ما يعكس الدور المتنامي للشركات الصحية في قيادة اتجاهات السوق.
كما سجل سهم شركة «موديرنا» المتخصصة في اللقاحات أعلى مستوياته منذ عام 2022، في تطور لافت يعكس تحسن اهتمام المستثمرين بأسهم القطاع.
قلق التكنولوجيا
في المقابل، فقدت أسهم التكنولوجيا جزءاً من الزخم الذي اكتسبته خلال جلسة الاثنين، بعدما تعافت حينها من موجة بيع شهدتها الأسواق خلال الأسبوع السابق. وجاءت التداولات هادئة نسبياً، وسط استمرار الحذر بشأن التقييمات المرتفعة لشركات التكنولوجيا ومدى قدرتها على تحقيق عوائد تتناسب مع الإنفاق المتزايد على الذكاء الاصطناعي.
وتتركز المخاوف حول الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والرقائق المتقدمة والبنية التحتية الرقمية، إذ تحتاج الشركات إلى إنفاق مليارات الدولارات لتطوير قدراتها التقنية، بينما لا تزال سرعة تحويل هذه النفقات إلى إيرادات وأرباح مستدامة موضع تقييم.
وقال جيم بيرد، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «بلانت موران» للاستشارات المالية، إن المستثمرين لا يزالون متشككين في بعض رهانات الذكاء الاصطناعي، وفي قدرة الشركات على تحقيق عوائد مجزية من استثماراتها.
وأوضح أن هذه الشكوك تدفع المستثمرين إلى البحث عن فرص في مجالات أخرى، مشيراً إلى أن الرعاية الصحية أصبحت أحد أبرز المستفيدين من هذا التحول.
وتعكس هذه التصريحات تغيراً مهماً في نظرة الأسواق، بعدما أصبح التركيز على الربحية والعائد الفعلي للاستثمار، بدلاً من الاكتفاء بتوقعات النمو المستقبلي.
الأسهم الدفاعية
لم تقتصر مكاسب الجلسة على شركات الرعاية الصحية، بل امتدت إلى قطاعات العقارات والمرافق، التي حققت أداءً أفضل من بعض القطاعات المرتبطة بالنمو السريع، في مؤشر إلى تزايد اهتمام المستثمرين بالأصول التي تتمتع بخصائص دفاعية.
وتستفيد شركات المرافق عادة من استقرار الطلب على خدمات الكهرباء والمياه والغاز، بينما قد توفر بعض الاستثمارات العقارية تدفقات دخل منتظمة، وإن ظلت حساسة لتغير أسعار الفائدة وتكاليف الاقتراض.
كما تفوق مؤشر راسل 2000، الذي يقيس أداء الشركات الأميركية الصغيرة، في إشارة إلى تحسن الإقبال على شريحة أوسع من الأسهم خارج الشركات العملاقة.
ويحمل هذا التطور دلالة اقتصادية مهمة، لأن اتساع المشاركة في مكاسب السوق يمكن أن يقلص الاعتماد المفرط على أسهم التكنولوجيا الكبرى، ويمنح المؤشرات دعماً من قطاعات متنوعة.
ضغوط الطاقة
على خلاف الأداء الإيجابي للقطاعات الدفاعية، تخلفت أسهم الطاقة عن مكاسب السوق، متأثرة بتراجع أسعار النفط بعد وصولها إلى أعلى مستوياتها في خمسة أشهر، في ظل إعادة تقييم المستثمرين للتطورات الجيوسياسية المؤثرة في الإمدادات.
وجاء انخفاض الخام مع متابعة المتعاملين اجتماعاً بين الرئيس الإيراني وقائد الجيش الباكستاني، إلى جانب التطورات المرتبطة بهجمات الحوثيين على البنية التحتية السعودية والتقارير المتعلقة باستهداف سفن في الخليج.
وتكشف هذه التحركات عن حساسية أسهم شركات النفط والغاز للتقلبات السريعة في أسعار الخام، إذ يمكن أن تؤدي تغيرات التوقعات بشأن الإمدادات إلى إعادة تسعير أسهم المنتجين وشركات الخدمات النفطية.
اختبار الأرباح
تضع التحولات القطاعية الأخيرة نتائج أعمال الشركات الأميركية تحت مجهر المستثمرين، بعدما أصبحت القدرة على تحقيق الأرباح والتدفقات النقدية معياراً أكثر أهمية في تحديد جاذبية الأسهم.
ففي قطاع التكنولوجيا، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي على زيادة الإيرادات وتحسين الإنتاجية، بينما يركز المستثمرون في الرعاية الصحية على نمو المبيعات والهوامش التشغيلية وتطور المنتجات والخدمات.
وتبرز أهمية هذا التقييم مع ارتفاع مستويات بعض المؤشرات الأميركية، إذ تصبح الأسواق أكثر حساسية لأي نتائج تقل عن التوقعات أو إشارات إلى تباطؤ النمو.
كما أن انتقال السيولة بين القطاعات قد يؤدي إلى تقلبات متفاوتة في الأسعار، حتى عندما تحافظ المؤشرات الرئيسية على اتجاه صعودي.
رهانات المستثمرين
تشير مكاسب داو جونز مقابل تراجع ناسداك إلى أن المستثمرين لم يفقدوا شهيتهم للأسهم الأميركية، لكنهم أصبحوا أكثر انتقائية في توزيع استثماراتهم. فبدلاً من الاعتماد على استمرار صعود شركات التكنولوجيا، تتزايد الرغبة في الاستفادة من قطاعات أخرى يمكن أن تحقق أداءً مستقراً.
وقد يدعم استمرار هذا التحول الشركات التقليدية والصغيرة، خصوصاً إذا أظهرت نتائج الأعمال تحسناً في الأرباح وتراجعت الضغوط المرتبطة بتكاليف التمويل.
وفي المقابل، قد تستعيد التكنولوجيا صدارتها إذا نجحت الشركات الكبرى في تقديم أدلة أكثر وضوحاً على الجدوى الاقتصادية لاستثمارات الذكاء الاصطناعي.