3 أيام عمل أسبوعياً.. حلم يهدده الذكاء الاصطناعي
يقترب الاقتصاد العالمي من تحول قد يعيد تعريف العلاقة بين العمل والوقت والدخل، بعدما فتحت التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي الباب أمام إمكانية إنجاز مهام خمسة أيام خلال ثلاثة أيام فقط. وبينما يتوقع قادة شركات التكنولوجيا أن تمنح الآلات الموظفين مزيداً من الراحة والوقت العائلي، تكشف دراسات حديثة عن مفارقة اقتصادية لافتة، إذ قد تؤدي زيادة الإنتاجية إلى توسيع المسؤوليات وإطالة ساعات العمل بدلاً من تقليصها.
وتتمحور القضية حول الجهة التي ستستفيد من المكاسب الاقتصادية للذكاء الاصطناعي؛ فهل تتحول الوفورات الزمنية إلى إجازات أطول ورواتب مستقرة، أم تستغلها الشركات لزيادة الإنتاج دون تخفيف أعباء الموظفين؟ وتزداد أهمية هذا السؤال مع اتساع استخدام الأنظمة الذكية في المؤسسات، وتحولها من أدوات مساعدة إلى وكلاء قادرين على تنفيذ مهام متكاملة باستقلالية متزايدة.
حلم الثلاثة
يرى جيف بيزوس، مؤسس «أمازون»، أن ارتفاع الإنتاجية بفضل الذكاء الاصطناعي قد يسمح بإنجاز أعمال خمسة أيام خلال ثلاثة أيام، بما يفتح المجال أمام تغيير جذري في أنماط التوظيف والحياة الأسرية.
ويتوقع جيمي ديمون، رئيس مجلس إدارة «جيه بي مورغان»، أن تعمل الأجيال المقبلة ثلاثة أيام أو ثلاثة أيام ونصف أسبوعياً، مع إمكانية وصول الدخل إلى 300 ألف دولار، وفق تصوره للتطورات الاقتصادية خلال العقود الثلاثة المقبلة.
ويتفق معه إريك يوان، الرئيس التنفيذي لشركة «زوم»، الذي يرى أن المؤسسات قد تعتمد أسبوع عمل من ثلاثة أو أربعة أيام، بينما تحدث بيل غيتس عن مستقبل يمكن فيه لبعض الموظفين الاكتفاء بيومين أو ثلاثة أيام أسبوعياً.
أما إيلون ماسك، فذهب إلى توقع تحول العمل إلى نشاط اختياري، في حين قدم سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي»، رؤية أكثر تحفظاً، معتبراً أن المنافسة والرغبة البشرية في الإنجاز قد تدفعان الأفراد إلى مواصلة العمل رغم توافر وقت إضافي.
وتستند هذه التوقعات إلى قدرة الأنظمة الذكية على تنفيذ مهام متكررة بسرعة أكبر، بما قد يخفض تكاليف التشغيل ويرفع الإنتاجية، لكن تحويل هذه المكاسب إلى إجازات مدفوعة سيظل مرتبطاً بسياسات الشركات وآليات توزيع العوائد.
أعباء خفية
رغم الوعود المتفائلة، تكشف تجارب المؤسسات التكنولوجية عن نتائج مختلفة، إذ لا يؤدي تسريع إنجاز المهام بالضرورة إلى تقليص ساعات العمل.
فقد أعلنت «أنثروبيك» أن نظام «كلود» يستطيع العمل باستقلالية لمدة سبع ساعات متواصلة، بينما تجاوز مجموع ساعات عمل وكلاء الذكاء الاصطناعي لديها ساعات عمل الموظفين بنسبة ستة إلى واحد بحلول أغسطس، بالتزامن مع تراجع التوظيف النسبي في الوظائف التقنية المبتدئة.
وأظهرت دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا في بيركلي، تابعت موظفين بشركة تكنولوجيا أميركية لمدة ثمانية أشهر، أن استخدام الذكاء الاصطناعي دفع العاملين إلى إنجاز المهام بوتيرة أسرع، لكنه أدى أيضاً إلى توسيع مسؤولياتهم وتمديد ساعات عملهم.
كما كشف تحليل لشركة «أكتيف تراك»، شمل أكثر من 10.5 آلاف مستخدم خلال 180 يوماً قبل اعتماد الذكاء الاصطناعي وبعده، ارتفاع الوقت المخصص للبريد الإلكتروني والمراسلات وأدوات إدارة الأعمال.
وتشير هذه النتائج إلى أن الوقت الذي توفره الأنظمة الذكية قد تستهلكه مهام جديدة، تشمل كتابة التعليمات ومراجعة المخرجات والتحقق من الأخطاء، ما يهدد بزيادة الإرهاق الذهني.
وتبرز هنا مشكلة اقتصادية أساسية، تتمثل في أن ارتفاع الإنتاجية قد يدفع أصحاب العمل إلى رفع توقعاتهم بشأن حجم الإنجاز، بدلاً من منح الموظفين وقتاً إضافياً للراحة.
معادلة الإنتاجية
تؤكد التجارب التاريخية إمكانية تقليص ساعات العمل بالتزامن مع ارتفاع مستويات المعيشة، إذ انخفض متوسط ساعات العمل السنوية في الولايات المتحدة بنحو 40 % منذ عام 1870، مدفوعاً بتحسن الإنتاجية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية.
لكن الفوارق الدولية لا تزال كبيرة؛ فقد بلغ متوسط ساعات العمل السنوية عام 2023 نحو 2252 ساعة في كولومبيا و2228 ساعة في المكسيك، مقابل 1805 ساعات في الولايات المتحدة و1528 ساعة في سويسرا و1339 ساعة في ألمانيا.
وتكشف هذه الاختلافات أن الإنتاجية ليست العامل الوحيد المحدد لساعات العمل، إذ تؤثر التشريعات والأجور وثقافة المؤسسات ومستويات الحماية الاجتماعية في توزيع الوقت بين العمل والحياة الشخصية.
كما أن تقليص أيام الدوام قد يترافق مع خفض الرواتب، ما يدفع بعض العاملين إلى البحث عن وظائف إضافية للحفاظ على مستويات معيشتهم، وبالتالي تتراجع الفوائد الاجتماعية المرجوة.
وتزداد التحديات مع صعوبة قياس إنتاجية الأعمال المعرفية، إذ يمكن حساب ساعات الحضور بسهولة، بينما يصعب تقييم جودة القرارات والأفكار، ما قد يشجع الموظفين على إطالة وجودهم لإثبات قيمتهم.
وفي المقابل، تتزايد الأهمية الاقتصادية للمهارات الإنسانية، مثل التفكير النقدي والثقة والعلاقات الشخصية والحكم المهني، مع انتقال الآلات إلى تنفيذ جانب أكبر من الأعمال الروتينية.
مستقبل العمل تحسمه المكاسب
لا يتوقف نجاح الذكاء الاصطناعي على قدرته على تسريع الإنتاج، بل على كيفية توزيع المكاسب بين الشركات والعاملين. فقد تصبح أيام العمل الثلاثة واقعاً اقتصادياً إذا اقترنت زيادة الإنتاجية بسياسات تحافظ على الأجور وتمنح الموظفين نصيباً من الوقت الذي توفره التكنولوجيا.
أما إذا استُخدمت الوفورات لزيادة حجم المهام وحده، فقد يجد العاملون أنفسهم أمام أسبوع عمل أكثر كثافة، رغم امتلاكهم أدوات أكثر تطوراً.
وبين هذين المسارين، يبقى مستقبل العمل مرهوناً بالقرارات الاقتصادية والتنظيمية، لا بقدرات الآلات وحدها، فيما تتحول جودة الحياة والمهارات الإنسانية إلى عناصر رئيسية في تحديد القيمة الحقيقية لثورة الذكاء الاصطناعي.