8.4 تريليونات دولار.. ثروات تُشعل الغضب الأميركي
لم تعد الثروات الهائلة التي راكمها أباطرة التكنولوجيا في الولايات المتحدة رمزاً مطلقاً للنجاح والابتكار، بعدما بدأت صورة الملياردير العبقري الذي يقود البشرية نحو مستقبل أفضل تتراجع أمام موجة متصاعدة من الغضب الشعبي والانتقادات الثقافية. وفي تحول لافت، أصبحت هوليوود، التي احتفت طويلاً برواد الأعمال وصعود شركاتهم العملاقة، تعيد تقديمهم باعتبارهم شخصيات تسعى إلى الهيمنة والنفوذ، وسط تساؤلات متزايدة بشأن العلاقة بين تراكم الثروة واتساع التفاوت الاقتصادي ومستقبل الاستقرار الاجتماعي الأميركي.
وتكتسب هذه التحولات أهمية استثنائية في اقتصاد يضم نحو ألف ملياردير، تبلغ ثرواتهم مجتمعة 8.4 تريليونات دولار، بما يعادل 27 % من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، وفق الأرقام الواردة في التحليل. ولا تكمن المفارقة في ضخامة هذه الثروات وحدها، بل في أن المجتمع الأميركي يواصل الاستثمار في الشركات التي صنعتها، بينما تتراجع ثقته بالشخصيات التي تقودها، ما يطرح تساؤلاً اقتصادياً واجتماعياً: هل تتحول ثروات الابتكار من مصدر للفخر الوطني إلى عامل يغذي الاحتقان الشعبي؟
انقلاب الصورة
لسنوات طويلة، ميزت بعض التحليلات الاقتصادية بين فئتين من المليارديرات؛ الأولى صنعت ثرواتها من الابتكار ورفع الإنتاجية وتطوير التقنيات، والثانية ارتبطت أنشطتها بقطاعات أكثر عرضة لاستغلال النفوذ والامتيازات التنظيمية، مثل العقارات والتعدين. واستند هذا التصنيف إلى فرضية أن الثروة الناتجة عن الابتكار تحظى بقبول اجتماعي أكبر، لأنها تسهم في توسيع النشاط الاقتصادي وخلق فرص جديدة.
غير أن التحولات الأخيرة بدأت تقوض هذه الفرضية، بعدما أصبحت شركات التكنولوجيا نفسها موضع انتقادات تتعلق بالاحتكار والهيمنة على الأسواق والتأثير في الحكومات والمجتمعات. ولم يعد النجاح الاقتصادي وحده كافياً لمنح أصحاب الثروات الضخمة شرعية اجتماعية، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من اتساع الفجوة بين المستفيدين من الثورة الرقمية وبقية شرائح المجتمع.
وتكشف هذه الظاهرة عن تغير في معايير الحكم على الثروة، إذ أصبح مصدرها أقل أهمية لدى بعض المنتقدين من طريقة استخدامها وحجم النفوذ الذي تمنحه لأصحابها.
غضب هوليوود
تعكس الأعمال السينمائية التي تتناول أباطرة التكنولوجيا تحولاً في المزاج الثقافي الأميركي. فبعدما قدمت هوليوود شخصيات وادي السيليكون باعتبارها نماذج للطموح والعبقرية، اتجهت إلى تصويرها في أعمال أكثر قتامة، تركز على الغطرسة والسعي إلى السلطة واللامبالاة بالتداعيات الاجتماعية للتكنولوجيا.
وتبرز في هذا السياق أعمال تتناول سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، وإيلون ماسك، ومارك زوكربرج، حيث تتقاطع موضوعاتها حول المخاوف من تركيز قدرات تكنولوجية هائلة في أيدي عدد محدود من الأفراد.
وتختلف هذه الموجة عن الأعمال التي أعقبت انهيار فقاعة الإنترنت عام 2000 والأزمة المالية العالمية عام 2008؛ إذ تأتي الانتقادات هذه المرة بينما لا تزال طفرة الذكاء الاصطناعي مستمرة، والشركات التكنولوجية تحظى باهتمام استثماري واسع. ويعني ذلك أن الغضب لا يرتبط بانهيار اقتصادي وقع بالفعل، وإنما بمخاوف متنامية من النتائج المستقبلية للنجاح التكنولوجي نفسه.
مفارقة الاستثمار
تكمن إحدى أبرز المفارقات في استمرار الأميركيين بالاستثمار في شركات التكنولوجيا الكبرى، رغم تزايد الانتقادات الموجهة إلى قياداتها. فحسابات التقاعد الأميركية، ومنها خطط «401(k)»، تمنح المدخرين انكشافاً على أسهم شركات التكنولوجيا بصورة مباشرة أو عبر الصناديق الاستثمارية، ما يجعل أداء هذه الشركات مرتبطاً بالمصالح المالية لشرائح واسعة من المجتمع.
وفي الوقت نفسه، يواصل المستهلكون استخدام المنصات الرقمية وخدمات الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة، حتى مع تصاعد القلق بشأن الخصوصية والمنافسة وتأثير التكنولوجيا في الوظائف.
وتعكس هذه الازدواجية انفصالاً متزايداً بين الثقة بالمنتجات والثقة بالقائمين عليها. فالمستخدم قد يرى التكنولوجيا ضرورية لحياته اليومية، والمستثمر قد يعتبر أسهمها فرصة لتحقيق العوائد، دون أن يمنح أصحاب الشركات تأييداً سياسياً أو اجتماعياً.
وتجعل هذه المفارقة تقييم مستقبل القطاع أكثر تعقيداً، لأن تراجع شعبية القيادات لا يعني بالضرورة تراجع الطلب على منتجات شركاتها أو انخفاض قيمتها السوقية.
سلطة المليارديرات
لم تعد الانتقادات الموجهة إلى كبار أثرياء التكنولوجيا تقتصر على حجم ممتلكاتهم، بل امتدت إلى قدرتهم على التأثير في القرارات السياسية والتنظيمية. فالشركات التي تتحكم في منصات التواصل والبنية التحتية الرقمية وتطوير الذكاء الاصطناعي تمتلك أدوات نفوذ تتجاوز حدود النشاط التجاري التقليدي.
ويثير هذا التركيز للقدرات الاقتصادية والتكنولوجية تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات الحكومية على تنظيم الأسواق وضمان المنافسة وحماية المستهلكين، خصوصاً عندما تتداخل المصالح التجارية مع العلاقات السياسية.
وتستثمر الأعمال السينمائية هذه المخاوف لتقديم شخصيات ترى نفسها قادرة على إعادة تشكيل المجتمعات، وتعتبر أن أهدافها الكبرى تبرر تجاوز القيود التقليدية.
ثروات مهددة
تظهر الأرقام الواردة في التحليل حجم التحول المحتمل في تقييم طبقة المليارديرات الأميركية. فوفق التصنيف الذي يميز بين مصادر الثروة، كانت حصة المليارديرات المصنفين ضمن فئة «الأخيار» تتجاوز 40 % من إجمالي ثروات الأثرياء الأميركيين.
لكن إعادة تصنيف أباطرة التكنولوجيا ضمن الفئة الأخرى تخفض هذه النسبة إلى 2 % فقط، في تحول حاد يعكس الوزن الكبير لثروات القطاع التكنولوجي داخل قائمة الأثرياء.
وبموجب هذه الفرضية، يتراجع ترتيب الولايات المتحدة بين الدول المتقدمة من المركز الرابع إلى المركز السادس عشر من حيث حصة ثروات المليارديرات المصنفين ضمن الفئة المرتبطة بالابتكار المقبول اجتماعياً.
اختبار الابتكار
رغم الانتقادات المتصاعدة، يظل الذكاء الاصطناعي من أبرز التقنيات المرشحة لتعزيز الإنتاجية والنمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة، من خلال أتمتة العمليات وتحسين الكفاءة وتطوير منتجات وخدمات جديدة.
ولهذا فإن الحكم على أباطرة التكنولوجيا باعتبارهم عبئاً اقتصادياً قد يكون سابقاً لأوانه، خصوصاً أن المكاسب المحتملة للابتكار لم تتضح جميعها بعد، كما أن تأثيراته طويلة الأمد في سوق العمل وتوزيع الدخل لا تزال محل نقاش.
غير أن استمرار النمو لا يضمن توزيع عوائده بصورة متوازنة. فإذا تركزت المكاسب لدى المساهمين وكبار المستثمرين، بينما تحمل العاملون تكاليف التحولات الوظيفية، فقد تتزايد الضغوط الاجتماعية للمطالبة بتدخلات تنظيمية وضريبية أوسع.
مخاطر التفاوت
لا يؤدي اتساع الثروة بالضرورة إلى اضطرابات اجتماعية، لكنه قد يتحول إلى عامل توتر عندما يتزامن مع تراجع الثقة بالمؤسسات والشعور بعدم عدالة توزيع الفرص الاقتصادية.
وفي الحالة الأميركية، تكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية بسبب ارتباط جزء كبير من الثروات الضخمة بشركات أصبحت تؤثر مباشرة في حياة المواطنين، سواء من خلال المعلومات أو الوظائف أو الخدمات الرقمية.
وإذا استمر تراجع القبول الشعبي بأصحاب هذه الشركات، فقد تتصاعد المطالب بفرض قيود أشد على عمليات الاستحواذ والممارسات الاحتكارية، إلى جانب إعادة النظر في الضرائب المفروضة على الثروات الكبيرة.
لكن حجم هذه الاستجابة سيظل مرهوناً بالتطورات الاقتصادية والسياسية، ومدى قدرة قطاع التكنولوجيا على تحويل ابتكاراته إلى مكاسب إنتاجية ملموسة تستفيد منها شرائح أوسع من المجتمع.